فخر الدين الرازي

72

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

اعلم أن بين الربا وبين الصدقة مناسبة من جهة التضاد ، وذلك لأن الصدقة عبارة عن تنقيص / المال بسبب أمر اللّه بذلك ، والربا عبارة عن طلب الزيادة على المال مع نهي اللّه عنه ، فكانا متضادين ، ولهذا قال اللّه تعالى : يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ فلما حصل بين هذين الحكمين هذا النوع من المناسبة ، لا جرم ذكر عقيب حكم الصدقات حكم الربا . أما قوله الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا فالمراد الذين يعاملون به ، وخص الأكل لأنه معظم الأمر ، كما قال : الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً [ النساء : 10 ] وكما لا يجوز أكل مال اليتيم لا يجوز إتلافه ، ولكنه نبّه بالأكل على ما سواه وكذلك قوله وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ [ البقرة : 188 ] وأيضا فلأن نفس الربا الذي هو الزيادة في المال على ما كانوا يفعلون في الجاهلية لا يؤكل ، إنما يصرف في المأكول فيؤكل ، والمراد التصرف فيه ، فمنع اللّه من التصرف في الربا بما ذكرنا من الوعيد ، وأيضا فقد ثبت أنه صلى اللّه عليه وسلم : « لعن آكل الربا وموكله وشاهده وكاتبه والمحلل له فعلمنا أن الحرمة غير مختصة بالآكل ، وأيضا فقد ثبت بشهادة الطرد والعكس ، أن ما يحرم لا يوقف تحريمه على الأكل دون غيره من التصرفات فثبت بهذه الوجوه الأربعة أن المراد من أكل الربا في هذه الآية التصرف في الربا ، وأما الربا ففيه مسائل : المسألة الأولى : الربا في اللغة عبارة عن الزيادة يقال : ربا الشيء يربو ومنه قوله اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ * [ الحج : 5 ] أي زادت ، وأربى الرجل إذا عامل في الربا ، ومنه الحديث « من أجبى فقد أربى » أي عامل بالربا ، والاجباء بيع الزرع قبل أن يبدو صلاحه ، هذا معنى الربا في اللغة . المسألة الثانية : قرأ حمزة والكسائي الربا بالإمالة لمكان كسرة الراء والباقون بالتفخيم بفتح الباء ، وهي في المصاحف مكتوبة بالواو ، وأنت مخير في كتابتها بالألف والواو والياء ، قال صاحب « الكشاف » : الربا كتبت بالواو على لغة من يفخم كما كتبت الصلاة والزكاة وزيدت الألف بعدها تشبيها بواو الجمع . المسألة الثالثة : اعلم أن الربا قسمان : ربا النسيئة ، وربا الفضل . أما ربا النسيئة فهو الأمر الذي كان مشهورا متعارفا في الجاهلية ، وذلك أنهم كانوا يدفعون المال على أن يأخذوا كل شهر قدرا معينا ، ويكون رأس المال باقيا ، ثم إذا حل الدين طالبوا المديون برأس المال ، فإن تعذر عليه الأداء زادوا في الحق والأجل ، فهذا هو الربا الذي كانوا في الجاهلية يتعاملون به . وأما ربا النقد فهو أن يباع من الحنطة بمنوين منها وما أشبه ذلك . إذا عرفت هذا فنقول : المروي عن ابن عباس أنه كان لا يحرم إلا القسم الأول فكان يقول : لا ربا إلا في النسيئة ، وكان يجوز بالنقد ، فقال له أبو سعيد الخدري : شهدت ما لم تشهد ، أو سمعت من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما لم تسمع ثم روي أنه رجع عنه قال محمد بن سيرين : كنا في / بيت ومعنا عكرمة ، فقال رجل : يا عكرمة ما